المعرفة والسيطرة

يقدم فوكو فكرة – أراها من أهم أفكاره- ألا وهي فكرة المعرفة والسلطة ..سأحاول أن أشرح في هذا المقال بشكل مبسط لبعض أفكار فوكو وبلغة سهلة، ولا تقلقوا قد يبدوا اسم فوكو مخيفًا للبعض إلا أن أفكاره سهلة وقابلة لأن نستفيد منها في تعليمنا لأطفالنا ..

تقدم نظرية فوكو بشكل مبدئي العلاقة بين السلطة والمعرفة ، حيث تنتج السلطة المعرفة ويتم استخدامها كشكل من أشكال السيطرة الاجتماعية من خلال المؤسسات الاجتماعية وعبر انتاج خطاب يعزز نفوذها ويعيد انتاجها مرات ومرات، فالمعرفة بحد ذاتها سلطة وأداة ضبط وتدجين

يمكننا أن نضرب بذلك مثالًا فنقول السلطة تنتج خطابًا يقول ” الحاكم X شخص ظالم/ جاهل/ أحمق / خائن ، بينما الحاكم y هو الشخص المخلص الذي أنقذ البلد” هذا الخطاب هو إنتاج لمعرفة بخصوص موضوع معين بالشكل الذي تريده / تفهمه السلطة، هذه المعرفة تعزز وجود السلطة، إذ بموافقتك لهذا الخطاب فإنك تعطي الحق للسلطة في إنتاج وقول هذا الخطاب، وإنصياعك لهذا الخطاب هو انصياع للسلطة وإعادة تعزيز لقوتها ..

فوكو يُنَّظر أيضًا لمفهوم «الحوكمة الذهنية» (Governmentality)، الذي يشرح كيف أن السلطة تشكل ذوات الأفراد بحسب ما ترغب من ، خلال عملية اجتماعية ممنهجة، لأجل السيطرة وفرض السلطة، هذه العملية تتم عن طريق مؤسسات مثل الإذاعة والتلفزيون، المدارس و الجامعات والمؤسسات الحكومية ..

إذن فالكتب المدرسية تحمل مضمونًا وخطابًا يعلم أطفالنا مفاهيم قيمية بل ومفاهيم وجودية بخصوص هذا العالم، فهل نوافق عليها ونقرها؟ أم لنا تصور آخر عن العالم غيرها؟

وإذا رفضناها فهل لدينا القدرة على المواجهة والمقاومة؟

بشكل عام فوكو لا ينظّر للسلطة باعتبارها شيء سلبي أو ايجابي، ولكنه يتعامل بصفتها شيء موجود ويتحرك في النطاق ومندمج في السياقات..شيء يمكن مقاومته وإنتاجه (حتى من قبل الأطراف الأضعف)

إذن فمحاولتنا للتعليم المنزلي ولوجوئنا إليه هي محاولة للمقاومة والخروج خارج دائرة السلطة وإعادة توليد مساحات جديدة للمعرفة بلا قهر سلطوي ولا قمع، في عالمنا العربي أليس هذا السعي هو أسمى ما يمكن أن يجاهد الإنسان لأجله؟

إرادة التعلم..

هذا المقال عنوانه إرادة التعلم أو لماذا لا يعلم التعليم المدرسي أطفالنا فعلاً ؟

التعليم المدرسي يتم على الشكل الآتي :

١- يذهب الأطفال للمدرسة ..

٢- يتم التعامل معهم باعتبارهم أطفال ” جهلة” وغير قادرين على تعليم أنفسهم

٣- يتولى “معلم” ما ذا سلطة أعلى عملية التعلم ليقود “الطلبة” من الجهل للعلم

إذن فالفعل الأساسي للمعلم هنا هو نقل المعرفة وتفسير العلم، وإبراز كل عنصر بشكل تفصيلي للطلاب ذوي القدرات الأضعف والأقل، جاك رانسيير يصف ذلك بقوله ” الإمتلاك المعقلن للمعرفة ومستوى تكوين ذوقه وبلورة أحكامه بما يتفق مع وضعه الاجتماعي”

هذه العملية تبدو “طبيعية” ولكن دعوني أبين لكم لماذا تدمر هذه العملية قدرات الأطفال على تعليم أنفسهم ..

ينشأ الأطفال منذ ميلادهم بقدرات فطرية على التعلم، ينزلقون من الرحم للدنيا ويندفعون للحياة مملؤين بدافعية التعلم الفطري، العض والتذوق والزحف والركض وفتح الأدراج وتذوق الشباشب والأحذية يكبر الطفل قليلًا فيتعلم اللغة بنفسه – هل هناك معجزة أكبر من معجزة تعلم اللغة؟- يتعلم الأطفال الأرقام والعد وربما الحروف وقراءة كلمات بسيطة – إذا اهتم الوالدان بالقراءة له بشكل يومي، في عمر الخامسة أو السادسة نلقي بهم للمدارس، فتنعكس الأدوار وتتعطل قدرتهم الفطرية على التعلم – هل فهمتم لماذا ينخفض ذكاء الأطفال بالتوازي مع سن دخول المدرسة؟ – يخبرهم المعلم ضمنيًا أنهم عجزة، غير قادرين على التعلم بدونه، وبدون النظام التفسيري، يطلب منهم عدم بذل الجهد خارج حدود الكتاب أو المنهج المحصور في المعلم، في المدارس لا يكون هناك مساحة للأطفال على بذل مجهود لتعليم أنفسهم، وليس هناك مساحة للاجتهاد ولا للصواب والخطأ، المساحة الوحيدة هي مساحة المعلم ..

السؤال هنا هل أطفالنا قادرين على تجاوز نظام التفسير والمعلم؟ وهل أطفالنا فعلًا غير قادرين على تعليم أنفسهم بأنفسهم؟

لا بل هم قادرين وبالتأكيد، المنطق، والعلم، وتجربتي الشخصية تؤكد هذا بكل شكل ممكن ..والأطفال قادرين على تجاوز نظام المفسر والتفوق عليه

يحتاج الأطفال المساحة أكثر من الإجبار، يحتاج الأطفال الطبيعة أكثر من السابورة والفصل، يحتاج الأطفال أن نحافظ على مساحتهم للتعلم بأنفسهم ..

للإستزادة يمكنكم الرجوع لكتاب The Ignorant Schoolmaster: Five Lessons in Intellectual Emancipation وهو مترجم للعربية تحت عنوان : المعلم الجاهل لجاك رانسيير ..

هل يمكنني التعليم المنزلي وأنا أم عاملة؟

..إجابتي المختصرة، نعم بالتأكيد

أما عن كيف، فسأحاول أن أفصل هنا قليلًا ..الموضوع يبدأ مبكرًا قليلًا من وقت المراهقة وربما الطفولة، كلما أنجزت المرأة في بناء نفسها ومهاراتها في عمر مبكر كلما أثر ذلك إيجابيًا في تجربتها في الأمومة ..ويتضمن ذلك التعليم المنزلي، بشكل شخصي عملت في مؤسسات بريطانية منذ كان عمري ٢٠ عامًا – نعم تخرجت من جامعتي مبكرًا- وعندما ولدت يحيى – بعمر ال ٢١ عامًا- اصطحبته معي للعمل، ثم حصلت على مساعدة خارجية والآن عندما انتقلنا لتركيا وأصبحت أدرس وأعمل في نفس الوقت ولم تتوفر لي المساعدة الخارجية من العائلة الممتدة كان الأمر صعبًا لكننا الحمد لله استطعنا تجاوز الأمر وها نحن مستمرين ..

إذن كيف يمكن أن يحدث؟

قبل كل شيء استعيني بالله وأخلصي النية وستجدي مددًا من كل ناحية وفكري أنه لا فرصة أمامك سوى النجاح، وستنجح/ي

١- طوري مهاراتك بحيث ترتفع بالشكل الذي يجعلك معادلة صعبة لا يمكن الاستغناء عنها في مؤسستك أو شركتك وتحدثي من موقع قوة – طفلي هو الأهم –

،٢- نظمي وقتك، ورتبي أولوياتك ، تنظيم الوقت سيجعلك قادرة على قول “لا” للأشياء التي لا تناسب أسرتك ووقتك وعملك هذا التنظيم ووعيك به ووعيك بأولوياتك سيمنعك من إضاعة وقتك فيما لا يفيد، عمرنا محدود ووقتنا كذلك، سيمكننا الإجابة على الأسئلة بسهولة

٣- التعليم المنزلي مسؤلية الجميع، زوجك وأطفالك أجزاء من العائلة وبالتالي هم مسؤلين مثلك تمامًا عن عملية التعليم المنزلي، الاتفاق على هذا مع الجميع مهم ومحوري في قدرتك على عملية التعليم المنزلي، وزعي المسؤليات بينك وبين والد أطفالك، يمكن لكل أحد أن يفعل شيء ما مهما كان منشغلًا

٤- حاولي أن تجدي / تجد وظيفة من المنزل، إذا حدث فبقليل من التفاهم مع الأطفال يمكنكم إدارة وقت مثمر وومنمي لأطفالنا أكثر مما نتخيل ونتوقع، إذا لم تستطيعي لا يهم يمكنك أيضًا أن تقومي بالتعليم المنزلي

٥- إذا نجحت في الحصول على وظيفة من البيت، فهو وقت الاتفاق مع الأطفال على وقت عمل مشترك، -ستتم مقاطعتك فيه كثيرًا فاستعدي- ووقت عمل خاص بك – يتولي فيه شخص آخر رعاية الأطفال أو ينشغل فيه الأطفال بشيء ما – تمارين مثلًا-

٦- إذا كان وضعك المادي جيد – أو شبه جيد- فاحصلي على مساعدة في أعمال المنزل، إذا كنتي مثلي تتوترين من العيش في بيت غير مرتب وغير نظيف فلا تتردي في الحصول على مساعدة خارجية من سيدة تقوم بهذا بدلًآ عنك، عندما يكبر أطفالك سيتذكرون الوقت الذي قضيتيه معهم لا الوقت الذي قضيتيه في ترتيب المنزل ..وقت التعليم المنزلي هو الأهم والأثمن

٧- غيري نظرتك عن التعليم وانتقلي للتعليم المنزلي، حتى لو كنا نقوم بعمل تعليم منزلي منذ فترة فربما تقيدنا المدرسة في الانطلاق الحقيقي أفكارنا المسبقة عن التعلم ستوترنا وستقيدنا، إذا كان طفلك يقوم بساعة واحدة من التعليم المنزلي المركز ويقضي بقية يومه في اللعب والقراءة والأنشطة – ولو بمفرده – فهو بخير ..لا تقلقي، قللي مهام تعليمك المنزلي في وقت انشغالك وضاعفيها في وقت فراغك

٨- تخلصي من الخيال ، لا يمكن لأي أحد أن يفعل كل شيء بشكل مثالي، حددي أهدافك الدنيا وأهدافك العليا وكوني واقعية، وما لن تستطيعي إنجازه اليوم ستنجزيه غدًا

٩- أعدي وجباتك مسبقًا بحيث لا يستغرق وجودك في المطبخ أكثر من ساعة يوميًا – سأكتب عن هذا لاحقًا –

١٠- إذا كان أطفالك كبار، فإن الأطفال الأكبر قادرين على تعليم الأصغر ورعايتهم وأنتبهي ألا تسلبي أطفالك الأكبر طفولتهم في غمرة هذه العملية ..

أخيرًا، إهتمي بنفسك وصحتك النفسية حتى لا تصلي لمرحلة الاحتراق الذاتي، الأم السعيدة قادرة على اسعاد أطفالها والأم التعيسة غير قادرة ولو توفر لها أضعاف أضعاف الوقت

ما هي المواد التي ندرسها في التعليم المنزلي

يوم دراسي مشترك بيني وبين يحيى هو يحفظ القرآن وأنا أنجز بحثًا عن ماركس

شكل تعليمنا المنزلي يختلف من فترة لأخرى، أما الشكل الذي استقررنا عليه منذ فترة هو كالآتي:

١- القرآن الكريم كمادة ثابتة وأساسية بشكل يومي، ومركز، نعتمد على الحفظ

٢- الرياضيات : نركز على دراسة الرياضيات باستخدام منهج سنغافورة ماث – يمكنكم الحصول عليه من موقعهم الالكتروني أو طباعته من الانترنت واستخدامه – إذا كنتم ترون هذا أخلاقيًا- والنسخة العربية منه هو نسخة المنهج الليبي

٣- اللغة العربية: وتشمل القراءة (يحيى يقرأ وأيضًا أنا أقرأ له) وأيضًا الكتابة يقوم بكتابة قصة صغيرة بشكل شبه يومي – ونخطط لبدأ دروس الخط فور انقضاء حجر الكورونا إن شاء الله

٣- الفلسفة: بشكل أسبوعي نتحدث معًا في أحد المواضيع الفلسفية وأستخدم كتب الفلسفة من دار الشروق

..٤- الشعر: ولمدة عشر دقائق يوميًا يحفظ يحيى ويراجع الشعر

٥- اللغات: التركية واللغة الإنجليزية (توقفنا مؤقتًا بسبب الكورونا)

ملحوظة: لا ندرس العلوم ولا الجغرافيا بل نعتمد على القراءات الحرة من مكتبتنا العامرة- يقرأ أو أنا أقرأ له

الثابت في نظامنا هو القرآن والرياضيات، أما المواد الأخرى فلكل منها فترة إنتعاش، ندرسها كثيرًا ونحرز فيها تقدمًا كبيرًا ثم نرتاح ونولي اهتمامنا لمادة أخري، واستباقًا للسؤال ..لا، يحيى لا ينسى ما درسناه الحمد لله إلا نادرًا

لماذا قررت أن أعلم طفلي منزليًا؟ – ١-

يحيى في إحدى رحلات التعليم المنزلي الميدانية

كثيرًا ما يسألني من حولي، لماذا قررتِ أن تعلمي طفلك منزليًا؟ ألا تشعرين بالتعب؟ أليس هذا الخيار خطير جدًا؟ في هذا المقال سأجيب على أول سؤال، وهو لماذا قررت أن أعلم طفلي منزليًا؟

الحقيقة أن تجربتي في الحياة كانت مختلفة، أشبه بقطار بهلواني سريع، ولدت في المدينة المنورة وعشت هناك لعشر سنوات، رجعت لمصر وعشت عشر أخرى، درست في تخصص الإذاعة والتلفزيون/ كلية الآداب، وبدأت مسيرتي في التدوين والكتابة مبكرًا جدًا، فكتبت في صحف كبرى في مصر وأن أقل تسعة عشر عامًا..بدأت أسافر خارج مصر وحدى من عمر التاسعة عشر تقريبًا زرت عشرات الدول في مهام عمل ولقاءات ومؤتمرات، كانت هذه التجارب بعشرات السنين في المدارس

بعد ذلك انتقلت للعمل في مؤسسات دولية مختلفة، طوال عملي في هذه المؤسسات لم يُطلب مني شهاداتي، ولا إثباتات على أي شئ كانت خبرتي ومهاراتي وقراءاتي أكثر من كافية جدًا لتضمن لي مكان عمل محترم وبراتب سخي يندهش كل من يسمع به ..

لم يكن السر في هذه المهارة هي تميز استثنائي خارق، ولا تعليم دولي بمبالغ خرافية، بل كان السر هو الانجاز الذي فعلته معنا أمي طوال عمرها – إخوتي كذلك يتميز كل منهم على قرناءه – علمتنا أمي القراءة مبكرًا جدًا، كان معظم تعليمنا عن طريق القراءة الحرة، وفتح الطرق أمامنا لتجارب حقيقية، عندما فكرت وجدت أنني لم أتعلم شيئًا مفيدًا من المدرسة، بل كانت تجربتي في المعظم عبارة عن إضاعة وقت ثمين كان يمكنني أن أقضيه في شيء ما أفضل..

إذن فهنا كانت البداية التجربة السابقة على الأمومة..لكن هل هذا كافٍ لاتخاذ قرار مثل هذا؟ الإجابة هي لا ..التجارب الشخصية هي تجارب “شخصية” يمكن أن تكون تجربة طفلي مختلفة تمامًا عن تجربتي وتكون تجربته أفضل من تجربتي بكثير..بدأت وقتها في القراءة عن منهجيات التعلم، ولماذا وكيف بدأت المدرسة، والقراءة في تجارب المتعلمين منزليًا..ولهذا سلسلة مقالات مستقلة ..

يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو، أتحدث فيه عن لماذا نشأت المدرسة،ورغم أن المحاضرة قديمة إلا أن كثير أفكارها مازالت صالحة