المعرفة والسيطرة

يقدم فوكو فكرة – أراها من أهم أفكاره- ألا وهي فكرة المعرفة والسلطة ..سأحاول أن أشرح في هذا المقال بشكل مبسط لبعض أفكار فوكو وبلغة سهلة، ولا تقلقوا قد يبدوا اسم فوكو مخيفًا للبعض إلا أن أفكاره سهلة وقابلة لأن نستفيد منها في تعليمنا لأطفالنا ..

تقدم نظرية فوكو بشكل مبدئي العلاقة بين السلطة والمعرفة ، حيث تنتج السلطة المعرفة ويتم استخدامها كشكل من أشكال السيطرة الاجتماعية من خلال المؤسسات الاجتماعية وعبر انتاج خطاب يعزز نفوذها ويعيد انتاجها مرات ومرات، فالمعرفة بحد ذاتها سلطة وأداة ضبط وتدجين

يمكننا أن نضرب بذلك مثالًا فنقول السلطة تنتج خطابًا يقول ” الحاكم X شخص ظالم/ جاهل/ أحمق / خائن ، بينما الحاكم y هو الشخص المخلص الذي أنقذ البلد” هذا الخطاب هو إنتاج لمعرفة بخصوص موضوع معين بالشكل الذي تريده / تفهمه السلطة، هذه المعرفة تعزز وجود السلطة، إذ بموافقتك لهذا الخطاب فإنك تعطي الحق للسلطة في إنتاج وقول هذا الخطاب، وإنصياعك لهذا الخطاب هو انصياع للسلطة وإعادة تعزيز لقوتها ..

فوكو يُنَّظر أيضًا لمفهوم «الحوكمة الذهنية» (Governmentality)، الذي يشرح كيف أن السلطة تشكل ذوات الأفراد بحسب ما ترغب من ، خلال عملية اجتماعية ممنهجة، لأجل السيطرة وفرض السلطة، هذه العملية تتم عن طريق مؤسسات مثل الإذاعة والتلفزيون، المدارس و الجامعات والمؤسسات الحكومية ..

إذن فالكتب المدرسية تحمل مضمونًا وخطابًا يعلم أطفالنا مفاهيم قيمية بل ومفاهيم وجودية بخصوص هذا العالم، فهل نوافق عليها ونقرها؟ أم لنا تصور آخر عن العالم غيرها؟

وإذا رفضناها فهل لدينا القدرة على المواجهة والمقاومة؟

بشكل عام فوكو لا ينظّر للسلطة باعتبارها شيء سلبي أو ايجابي، ولكنه يتعامل بصفتها شيء موجود ويتحرك في النطاق ومندمج في السياقات..شيء يمكن مقاومته وإنتاجه (حتى من قبل الأطراف الأضعف)

إذن فمحاولتنا للتعليم المنزلي ولوجوئنا إليه هي محاولة للمقاومة والخروج خارج دائرة السلطة وإعادة توليد مساحات جديدة للمعرفة بلا قهر سلطوي ولا قمع، في عالمنا العربي أليس هذا السعي هو أسمى ما يمكن أن يجاهد الإنسان لأجله؟

إرادة التعلم..

هذا المقال عنوانه إرادة التعلم أو لماذا لا يعلم التعليم المدرسي أطفالنا فعلاً ؟

التعليم المدرسي يتم على الشكل الآتي :

١- يذهب الأطفال للمدرسة ..

٢- يتم التعامل معهم باعتبارهم أطفال ” جهلة” وغير قادرين على تعليم أنفسهم

٣- يتولى “معلم” ما ذا سلطة أعلى عملية التعلم ليقود “الطلبة” من الجهل للعلم

إذن فالفعل الأساسي للمعلم هنا هو نقل المعرفة وتفسير العلم، وإبراز كل عنصر بشكل تفصيلي للطلاب ذوي القدرات الأضعف والأقل، جاك رانسيير يصف ذلك بقوله ” الإمتلاك المعقلن للمعرفة ومستوى تكوين ذوقه وبلورة أحكامه بما يتفق مع وضعه الاجتماعي”

هذه العملية تبدو “طبيعية” ولكن دعوني أبين لكم لماذا تدمر هذه العملية قدرات الأطفال على تعليم أنفسهم ..

ينشأ الأطفال منذ ميلادهم بقدرات فطرية على التعلم، ينزلقون من الرحم للدنيا ويندفعون للحياة مملؤين بدافعية التعلم الفطري، العض والتذوق والزحف والركض وفتح الأدراج وتذوق الشباشب والأحذية يكبر الطفل قليلًا فيتعلم اللغة بنفسه – هل هناك معجزة أكبر من معجزة تعلم اللغة؟- يتعلم الأطفال الأرقام والعد وربما الحروف وقراءة كلمات بسيطة – إذا اهتم الوالدان بالقراءة له بشكل يومي، في عمر الخامسة أو السادسة نلقي بهم للمدارس، فتنعكس الأدوار وتتعطل قدرتهم الفطرية على التعلم – هل فهمتم لماذا ينخفض ذكاء الأطفال بالتوازي مع سن دخول المدرسة؟ – يخبرهم المعلم ضمنيًا أنهم عجزة، غير قادرين على التعلم بدونه، وبدون النظام التفسيري، يطلب منهم عدم بذل الجهد خارج حدود الكتاب أو المنهج المحصور في المعلم، في المدارس لا يكون هناك مساحة للأطفال على بذل مجهود لتعليم أنفسهم، وليس هناك مساحة للاجتهاد ولا للصواب والخطأ، المساحة الوحيدة هي مساحة المعلم ..

السؤال هنا هل أطفالنا قادرين على تجاوز نظام التفسير والمعلم؟ وهل أطفالنا فعلًا غير قادرين على تعليم أنفسهم بأنفسهم؟

لا بل هم قادرين وبالتأكيد، المنطق، والعلم، وتجربتي الشخصية تؤكد هذا بكل شكل ممكن ..والأطفال قادرين على تجاوز نظام المفسر والتفوق عليه

يحتاج الأطفال المساحة أكثر من الإجبار، يحتاج الأطفال الطبيعة أكثر من السابورة والفصل، يحتاج الأطفال أن نحافظ على مساحتهم للتعلم بأنفسهم ..

للإستزادة يمكنكم الرجوع لكتاب The Ignorant Schoolmaster: Five Lessons in Intellectual Emancipation وهو مترجم للعربية تحت عنوان : المعلم الجاهل لجاك رانسيير ..

هل يمكنني التعليم المنزلي وأنا أم عاملة؟

..إجابتي المختصرة، نعم بالتأكيد

أما عن كيف، فسأحاول أن أفصل هنا قليلًا ..الموضوع يبدأ مبكرًا قليلًا من وقت المراهقة وربما الطفولة، كلما أنجزت المرأة في بناء نفسها ومهاراتها في عمر مبكر كلما أثر ذلك إيجابيًا في تجربتها في الأمومة ..ويتضمن ذلك التعليم المنزلي، بشكل شخصي عملت في مؤسسات بريطانية منذ كان عمري ٢٠ عامًا – نعم تخرجت من جامعتي مبكرًا- وعندما ولدت يحيى – بعمر ال ٢١ عامًا- اصطحبته معي للعمل، ثم حصلت على مساعدة خارجية والآن عندما انتقلنا لتركيا وأصبحت أدرس وأعمل في نفس الوقت ولم تتوفر لي المساعدة الخارجية من العائلة الممتدة كان الأمر صعبًا لكننا الحمد لله استطعنا تجاوز الأمر وها نحن مستمرين ..

إذن كيف يمكن أن يحدث؟

قبل كل شيء استعيني بالله وأخلصي النية وستجدي مددًا من كل ناحية وفكري أنه لا فرصة أمامك سوى النجاح، وستنجح/ي

١- طوري مهاراتك بحيث ترتفع بالشكل الذي يجعلك معادلة صعبة لا يمكن الاستغناء عنها في مؤسستك أو شركتك وتحدثي من موقع قوة – طفلي هو الأهم –

،٢- نظمي وقتك، ورتبي أولوياتك ، تنظيم الوقت سيجعلك قادرة على قول “لا” للأشياء التي لا تناسب أسرتك ووقتك وعملك هذا التنظيم ووعيك به ووعيك بأولوياتك سيمنعك من إضاعة وقتك فيما لا يفيد، عمرنا محدود ووقتنا كذلك، سيمكننا الإجابة على الأسئلة بسهولة

٣- التعليم المنزلي مسؤلية الجميع، زوجك وأطفالك أجزاء من العائلة وبالتالي هم مسؤلين مثلك تمامًا عن عملية التعليم المنزلي، الاتفاق على هذا مع الجميع مهم ومحوري في قدرتك على عملية التعليم المنزلي، وزعي المسؤليات بينك وبين والد أطفالك، يمكن لكل أحد أن يفعل شيء ما مهما كان منشغلًا

٤- حاولي أن تجدي / تجد وظيفة من المنزل، إذا حدث فبقليل من التفاهم مع الأطفال يمكنكم إدارة وقت مثمر وومنمي لأطفالنا أكثر مما نتخيل ونتوقع، إذا لم تستطيعي لا يهم يمكنك أيضًا أن تقومي بالتعليم المنزلي

٥- إذا نجحت في الحصول على وظيفة من البيت، فهو وقت الاتفاق مع الأطفال على وقت عمل مشترك، -ستتم مقاطعتك فيه كثيرًا فاستعدي- ووقت عمل خاص بك – يتولي فيه شخص آخر رعاية الأطفال أو ينشغل فيه الأطفال بشيء ما – تمارين مثلًا-

٦- إذا كان وضعك المادي جيد – أو شبه جيد- فاحصلي على مساعدة في أعمال المنزل، إذا كنتي مثلي تتوترين من العيش في بيت غير مرتب وغير نظيف فلا تتردي في الحصول على مساعدة خارجية من سيدة تقوم بهذا بدلًآ عنك، عندما يكبر أطفالك سيتذكرون الوقت الذي قضيتيه معهم لا الوقت الذي قضيتيه في ترتيب المنزل ..وقت التعليم المنزلي هو الأهم والأثمن

٧- غيري نظرتك عن التعليم وانتقلي للتعليم المنزلي، حتى لو كنا نقوم بعمل تعليم منزلي منذ فترة فربما تقيدنا المدرسة في الانطلاق الحقيقي أفكارنا المسبقة عن التعلم ستوترنا وستقيدنا، إذا كان طفلك يقوم بساعة واحدة من التعليم المنزلي المركز ويقضي بقية يومه في اللعب والقراءة والأنشطة – ولو بمفرده – فهو بخير ..لا تقلقي، قللي مهام تعليمك المنزلي في وقت انشغالك وضاعفيها في وقت فراغك

٨- تخلصي من الخيال ، لا يمكن لأي أحد أن يفعل كل شيء بشكل مثالي، حددي أهدافك الدنيا وأهدافك العليا وكوني واقعية، وما لن تستطيعي إنجازه اليوم ستنجزيه غدًا

٩- أعدي وجباتك مسبقًا بحيث لا يستغرق وجودك في المطبخ أكثر من ساعة يوميًا – سأكتب عن هذا لاحقًا –

١٠- إذا كان أطفالك كبار، فإن الأطفال الأكبر قادرين على تعليم الأصغر ورعايتهم وأنتبهي ألا تسلبي أطفالك الأكبر طفولتهم في غمرة هذه العملية ..

أخيرًا، إهتمي بنفسك وصحتك النفسية حتى لا تصلي لمرحلة الاحتراق الذاتي، الأم السعيدة قادرة على اسعاد أطفالها والأم التعيسة غير قادرة ولو توفر لها أضعاف أضعاف الوقت

هل يجعل التعليم المنزلي طفلي منطويًا؟

يحيى وصديقته ميان في إحدى رحلات التعليم المنزلي

إحدى الأساطير المتداولة حول التعليم المنزلي هو أنه يجعل الأطفال منطويين وغير إجتماعيين وغير قادرين على التعامل مع العالم..لا يتم التعامل مع كلمة إنطوائيين بصفتها وصفًا بل يقصد بها الإنطواء بصفته مرادفًا للضعف والهشاشة، هذه الأسطورة أطلقها شخص ما غير واع لأي شيء في هذا العالم وهنا سأفصل خطأ هذه الأسطورة الحمقاء ..

١- أطفالنا هم كائنات مستقلة بذواتها، وهم نتاج أشياء كثيرة، الجينات والميول والرغبات والتجارب اليومية وبالتالي يتنوعون كل حسب خلطته، طفلك المنطوي بسبب طبيعته النفسية لن يتحول إلى طفل إنفتاحي يرغب في مصادقة كل ذبابة تمر على أنفه، ربما تشجعه التجارب التي يعيشها ولكنها لن تحوله تمامًا، وطفلك الانفتاحي الذي يرغب في مصادقة نفس الذبابة التي مرت على أنف طفلك الأخر سيظل اجتماعيًا وانفتاحيًا، قد تغيره التجربة بشكل طفيف ولكن الطبع يغلب التطبع ..

٢- تقال هذه الأسطورة على سبيل القول “المدرسة ستؤهل الطفل ليكون اجتماعيًا بصداقات عميقة” الحقيقة أن هذا لن يحدث، المدرسة تجمع أطفالًا من خلفيات متشابهة – تكاد تكون متطابقة – من ناحية العمر والطبقة الإجتماعية و الخبرات السابقة- “في مصر بعض المدارس تشترط قبول الطلاب بناء على أماكن مصيفهم أو نواديهم” ما هي الخبرة الحياتية الحقيقة التي يمكن أن يتبادلها الطلاب؟، ضعوا هذا في مقارنة مع التعليم المنزلي حيث يمكن لطفل كبير أن يعلم طفل آخر صغير شيئًا يجيده، دارين (١٤ عامًا) وحبيبة (١٣ عامًا) بنات إحدى صديقاتي – يمنى- وهن خريجات مدارس بريطانية انتقلن للتعليم المنزلي حديثًا قمن بتعليم يحيى اللغة الإنجليزية وكانت تجربة شديدة الثراء للطرفين ..

٣- البيئة المدرسية هي مكان مناسب لانتعاش التنمر، وازدهاره، وبالتالي فهي تعطي تجربة شديدة السوء للطلاب الانطوائيين أو الأضعف، فبدلًا أن نمنح الطلاب الانطوائيين تجربة تحترم ذاتيتهم وتكتشف مكامن قدراتهم بل يتم التعامل باعتبارهم فرائس في غابة مفتوحة وبالتالي تجربة سلبية تعزز من ضعفهم -بغض النظر عن اعتراضي على توصيف الانطوائيين بشكل سلبي وعدم التعامل معهم كطبع شخصي طبيعي-

٤- بيئة التعليم المنزلي تمد الأطفال بكثير من الموارد التي تسمح لهم بتعلم تجارب مختلفة والتعامل مع أفراد مختلفين سواء كان ذلك عن طريق مجتمعات التعليم المنزلي أو مجموعات التعلم المشترك، والرياضات والنوادي، إذا تعلم طفلك حرفة يدوية أو تعامل مع صنايعي أو طبخ بنفسه فإن هذا يمنحه ثقة في نفسه هائلة وتجربة حقيقية ثرية ..وهذه هي الحياة ..

٥- على العكس من بيئة التعليم المدرسي فإن التعليم المنزلي هي بيئة مليئة بالحب وتعزيز الثقة والتعلم بدون ضغط، وهكذا فإن مخرجاتها بالتأكيد أفضل، وقدرة الأطفال الواثقين من حب آبائهم لهم على حل مشاكلهم وهم بالغين هي أفضل بكثير من الأطفال الذين تعرضوا للتنمر والعنف وهم صغار..

بشكل شخصي يحيى الحمد لله شديد الانفتاح والاجتماعية، وهو بشهادة بعض معلميه أكثر نضجًا من قرناءه، قالت لي معلمة الرسم وهي تضحك أن يحيى يعاملها كما لو أنه شخص بالغ يعامل طفلة، فيسايرها، قالت أن يحيى يوازي طلابًا كانوا بعمر الحادية عشر وعلى نفس مستوى نضوجه ..سعدت بتعليقها ..لا يعني هذا أن طفلي طفل مثالي، ولكنه يُبلي حسنًا على هذا المستوى

الخلاصة: إذا كنتم ترون طفلكم انطوائيًا، ضعيفًا، هشًا ..فتقبلوه واصنعوا له تجربة تعزز ثقته بنفسه وسيكون بخير

ما هي المواد التي ندرسها في التعليم المنزلي

يوم دراسي مشترك بيني وبين يحيى هو يحفظ القرآن وأنا أنجز بحثًا عن ماركس

شكل تعليمنا المنزلي يختلف من فترة لأخرى، أما الشكل الذي استقررنا عليه منذ فترة هو كالآتي:

١- القرآن الكريم كمادة ثابتة وأساسية بشكل يومي، ومركز، نعتمد على الحفظ

٢- الرياضيات : نركز على دراسة الرياضيات باستخدام منهج سنغافورة ماث – يمكنكم الحصول عليه من موقعهم الالكتروني أو طباعته من الانترنت واستخدامه – إذا كنتم ترون هذا أخلاقيًا- والنسخة العربية منه هو نسخة المنهج الليبي

٣- اللغة العربية: وتشمل القراءة (يحيى يقرأ وأيضًا أنا أقرأ له) وأيضًا الكتابة يقوم بكتابة قصة صغيرة بشكل شبه يومي – ونخطط لبدأ دروس الخط فور انقضاء حجر الكورونا إن شاء الله

٣- الفلسفة: بشكل أسبوعي نتحدث معًا في أحد المواضيع الفلسفية وأستخدم كتب الفلسفة من دار الشروق

..٤- الشعر: ولمدة عشر دقائق يوميًا يحفظ يحيى ويراجع الشعر

٥- اللغات: التركية واللغة الإنجليزية (توقفنا مؤقتًا بسبب الكورونا)

ملحوظة: لا ندرس العلوم ولا الجغرافيا بل نعتمد على القراءات الحرة من مكتبتنا العامرة- يقرأ أو أنا أقرأ له

الثابت في نظامنا هو القرآن والرياضيات، أما المواد الأخرى فلكل منها فترة إنتعاش، ندرسها كثيرًا ونحرز فيها تقدمًا كبيرًا ثم نرتاح ونولي اهتمامنا لمادة أخري، واستباقًا للسؤال ..لا، يحيى لا ينسى ما درسناه الحمد لله إلا نادرًا

لماذا قررت أن أعلم طفلي منزليًا -٢-

في زيارة لبحيرة في غابة بلجراد

نشر هذا المقال من قبل على TRT عربي

أُسأل كل يوم عدة مرات عن سبب تعليمي لطفلي منزليّاً، ورغم أن الأسباب التي قررت لأجلها أن أعلِّمه منزليّاً هي أكبر من أن أحصيها، إلا إنني قررت أن أكتب بعضها هنا.

في البداية سأكتب لكم عن الأسباب التي لم أتَبَنَّها عندما اتخذنا قرارنا -أبوه وأنا- بتعليمه منزليّاً:

• حمايته من الخطر: بالتأكيد لا أتمنى أن يتعرض طفلي لأية أخطار، ولكن ليس لدي مانع أن يتعرض لها، أن يتعرض للتنمر أو للسقوط من أعلى الأرجوحة أو أن تنكسر ذراعه أو قدمه، قراري بعمل تعليم منزلي لا يشمل ضماناً لحمايته من الأخطار.

حمايته من الأفكار المختلفة: ليس لدي أى مانع أن يتعرض طفلي لعشرات الأفكار المختلفة والمضادة لما أعتقد تماماً، دوري ليس عزله عن الأفكار، بل أن أعلِّمه كيف يعرف نفسه وكيف يفكر، وكيف يتخذ قراره، أن يتخذ طفلي يوماً موقفاً عكسيّا، ليس نهاية العالم، بل هو حتمية هذا الزمان.

تقديم مناهج رائعة مبدعة تخرج منه طفلاً خارقاً يأكل الفيزياء ويصنع الكيمياء:ليس هدفي على الإطلاق أن يكون طفلي خارقاً أو أن يكون الأول أكاديميّاً -أتمنى ذلك بالطبع ولكنه ليس من أولوياتي- أريد لطفلي شيئين فقط: أن يكون سويّاً نفسيّاً، وأن يكون قادراً على تعليم نفسه بنفسه.

أني عشت تجربة سيئة في المدارس: نعم سألني شخص ما إن كنت عشت تجربة فظيعة في المدارس. في الحقيقة إن العكس تماماً هو ما حدث، كنتُ طفلة مدللة، وفي المدرسة كنت طالبة مجتهدة ومتفوقة، وفوق ذلك كان المدرسون يعرفون أبي وأمي جيداً فحظيت بمعاملة مميزة طوال الوقت.

أما الأسباب الحقيقة التي قررت لأجلها أن يتعلم منزليّاً، وهي أسباب يمكنني أن أكتب فيها كتاباً، لكن مختصرها كان لإيماني بالآتي:

 طفلي ابن الطبيعة: لديه احتياجٌ مؤكَّدٌ إلى قضاء ست ساعات في الطبيعية يوميّاً بدلاً من قضائها بين أربع جدران داخل الصف يكون مجبَراً فيها على السكوت والاستماع لشرح المعلم.

طفلي يحتاج إلى أن ينشأ بعيداً عن السلطة التراتبية التي توجد داخل الفصول:يحتاج أن يكون حرّاً، تُحتَرم حاجاته وتُلبى بشكل سوي، أن يُحترم غضبُه وحزنه.

• طفلي ذكي: بالنسبة لي أؤمن بالمساواة في الذكاء الإنساني، إذا فهمت أنا أن 2+2=4، فطفلي قادر على استنتاج ذلك بمفرده، ونعم فعلها بمفرده وفاجأني، لقد كنت متشككة في قدرته على فِعلها.

لأني أردت لطفلي أن يحب العلم والتعلم، لا الدرس والدروس: لأني آمنت بإرادة التعلم لديه، وأنه إذا تعلم الكلام والمشي وحده فهو قادر على أن يتعلم أي شيء آخر يريده.

لأن طفلي يحتاج إلى دائرة اجتماعية واسعة مختلفة الأعمار والأشكال: ولأن آخر ما يحتاجه طفل أن يحاط بدائرة بيضاء من الأطفال المتشابهين في الخبرات الاجتماعية، أيهما أجدى؟ أن يتعامل مع عشرة أطفال مصنفين حسب العمر، أم أن يتعامل مع خمسة أطفال بأعمار مختلفة، من الرضَّع وحتى البالغين؟

لأن طفلي بحاجة إلى أن يرى العالم الحقيقي: بنفس القدر الذي يحتاج أن يراه بين دفتي كتاب، يحتاج أن يبلل قدميه بماء البحيرة لا أن يسمع عنها ”بقعة ماء تحيط بها اليابسة من جميع الجهات“.

لأن طفلي يحتاج أن يسمع الحكايات بصوتي: وأن يخوض مغامرات مع عائلته، وأن يتعلم كيف يُنشيء علاقات عميقة مع نفسه أولاً ثم مع عائلته ثم مع أصدقائه، ولأن المدرسة لن توفر له الوقت لفعل هذا -لأننا نذهب إلى المدرسة كي نتعلم لا كي نتعرف-.

• لأني أردت لطفلي أن يكتسب مهارات الحياة العملية الفعلية: طفلي في السادسة ولكنه يجيد صنع الكيك والبسكوت، وبعض السلطات، ويستطيع أن يعد البيض المقلي وأن يصنع الشعرية بالحليب بقليل جدّاً من الإشراف، وأنا أؤمن أن كل طفل آخر قادر على ذلك وأكثر فقط إن فكرنا فيهم ”كإنسان صغير“ لا ”كطفل جاهل“.

•لأني أؤمن بحساسية الأطفال الشديدة لكل ما يتعرضون له في الصغر: فأحاول أن أهيِّئ له التجربة التي تراعي حساسيته وحبه للتعلم.

لأني أردت لطفلي أن يفهم ويعرف ويحس بقيمته الإنسانية المجردة:لا أن تُختصر قيمته في الدرجات والعلامات، أن يعرف أن الدنيا مليئة بالفرص، وأن عدم إجادته للرياضيات لا يعني تحديد مستقبله وختمه بخاتم الفشل، بل إن أمامه عشرات الفرص من النجاح والفشل، وأمامه عدد لامحدود من المحاولات مادام إنساناً حرّاً قادراً على بذل المجهود للتعلم والمعرفة.

لأني أردت لطفلي أن يكتسب الحكمة، لا أن يدرس فقط: والحكمة هبة من الله، لكنها أيضاً جهد وبذل وسعي، والعالم أوسع من الجدران، هل يمكننا أن نلاحق الحكمة؟ نعم يمكننا، إن اشتغلنا بكدٍّ، وهل أصفى من نفس طفل ينطلق إلى العالم ليكتسب الحكمة؟

أما السبب الأخير،فهو أنني نظرت في مسيرة حياتي القصيرة، فوجدت أن كل شيء جيد تعلمته كان خارج نطاق المؤسسة، كل شيء جوهري حقيقي قيم وحكيم كان محض اجتهاد وتجربة، وأن كثيراً مما تعلمته كان نتيجة أني أخطأت كثيراً فتعلمت أكثر، وهذا ما وددته لطفلي أن يجربويخطئ ونفرح بالخطأ ونصلحه معاً ونتعلم منه.

هل هذا سهل؟ لا، ليس سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب ومجهد -وسأكتب عن الصعوبات التي واجهتنا لاحقًا-، لكن هل يستحق؟ نعم هذا الأمر من أكثر الأمور التي تستحق الجهد المبذول فيها، لأنها أمر عظيم وجهد شريف، “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين”.

ما هو التعليم المنزلي؟ وكيف أمارسه؟

في الصورة يحيى في الترم الدراسي الماضي أثناء دراستنا معًا في مكاننا السري – أسميناه كذلك لأجل الحماس-

يمكنني أن أعرف التعليم المنزلي في سطر واحد وأقول أن التعليم المنزلي هو إدارة الوالدين للعملية التعليمية لأطفالهم

تحت هذا التعريف يوجد أصناف وأشكال عديدة وكثيرة للتعليم المنزلي بدءً من أسلوب مدرسة في المنزل أي صف وسابورة وكتب المدرسة، مرورًا بالتعليم المرن الذي يسير حسب إمكانيات الطفل ومناهج مختلفة وأيضًا الاعتماد على مساعدات خارجية -معلمين ومربيين خارجيين – وانتهاءً باللا مدرسة أو Unschooling حيث يترك الأطفال ليتعلموا من البيئة المحيطة وبقدر أدنى من تدخلات الأهل..

أي نمط أفضل؟ لا يوجد نمط محدد هو الأفضل بل كل أسرة تتبع ما يناسبها من أنماط.. بالنسبة لنا اعتمدنا في بعض الوقت على أنفسنا وبعض الوقت اعتمدنا على مساعدات خارجية، شملت أصدقاء متخصصين في تخصصات معينة وآخرين يحبون الأطفال ويرغبون في التعامل معهم.. كان نمطنا حرًا إلى حد كبير ..ينضج تعليمنا مع الوقت، ونتأقلم ونتكيف معه حسب ظروفنا ..

أثناء دراستي للدكتوراه كان هناك فصلين شديدي الصعوبة، في أحدهما اصطحبت يحيى معي للجامعة ورتبت له برنامجًا من طلبة الجامعة الذي يدرسون معي يعلمونه بعض الأشياء التي احتجت فيها لدفعة خارجية، وفي فصل آخر كان أكثر صعوبة اكتفيت بدرس القرآن بشكل يومي وممارسة بعض الرياضيات بشكل خفيف وأوقفنا كل الأنشطة الأخرى ..كانت النتيجة مرضية لي وليحيى، حصلت في الفصلين على A في جميع المواد الحمد لله، وكان إنجاز يحيى رائعًا وكنت أشعر بالرضا عن آدائه وهو أمر نادر لأني شخص ذي تطلعات عالية ولا يرضينى القليل على مستوى الانجاز الشخصي ..

ما أريد أن أقوله، إذا أردت أن تبدأ تعليمك المنزلي، فإبدأ فقط..إبدأ بأي شيء وستحركك مياه النهر – نهر التعليم المنزلي والحياة- للخيار الأفضل الذي تحتاج أن تتخذها لصالح رحتلكم في هذا العالم ..

رحلة ممتعة !

لماذا قررت أن أعلم طفلي منزليًا؟ – ١-

يحيى في إحدى رحلات التعليم المنزلي الميدانية

كثيرًا ما يسألني من حولي، لماذا قررتِ أن تعلمي طفلك منزليًا؟ ألا تشعرين بالتعب؟ أليس هذا الخيار خطير جدًا؟ في هذا المقال سأجيب على أول سؤال، وهو لماذا قررت أن أعلم طفلي منزليًا؟

الحقيقة أن تجربتي في الحياة كانت مختلفة، أشبه بقطار بهلواني سريع، ولدت في المدينة المنورة وعشت هناك لعشر سنوات، رجعت لمصر وعشت عشر أخرى، درست في تخصص الإذاعة والتلفزيون/ كلية الآداب، وبدأت مسيرتي في التدوين والكتابة مبكرًا جدًا، فكتبت في صحف كبرى في مصر وأن أقل تسعة عشر عامًا..بدأت أسافر خارج مصر وحدى من عمر التاسعة عشر تقريبًا زرت عشرات الدول في مهام عمل ولقاءات ومؤتمرات، كانت هذه التجارب بعشرات السنين في المدارس

بعد ذلك انتقلت للعمل في مؤسسات دولية مختلفة، طوال عملي في هذه المؤسسات لم يُطلب مني شهاداتي، ولا إثباتات على أي شئ كانت خبرتي ومهاراتي وقراءاتي أكثر من كافية جدًا لتضمن لي مكان عمل محترم وبراتب سخي يندهش كل من يسمع به ..

لم يكن السر في هذه المهارة هي تميز استثنائي خارق، ولا تعليم دولي بمبالغ خرافية، بل كان السر هو الانجاز الذي فعلته معنا أمي طوال عمرها – إخوتي كذلك يتميز كل منهم على قرناءه – علمتنا أمي القراءة مبكرًا جدًا، كان معظم تعليمنا عن طريق القراءة الحرة، وفتح الطرق أمامنا لتجارب حقيقية، عندما فكرت وجدت أنني لم أتعلم شيئًا مفيدًا من المدرسة، بل كانت تجربتي في المعظم عبارة عن إضاعة وقت ثمين كان يمكنني أن أقضيه في شيء ما أفضل..

إذن فهنا كانت البداية التجربة السابقة على الأمومة..لكن هل هذا كافٍ لاتخاذ قرار مثل هذا؟ الإجابة هي لا ..التجارب الشخصية هي تجارب “شخصية” يمكن أن تكون تجربة طفلي مختلفة تمامًا عن تجربتي وتكون تجربته أفضل من تجربتي بكثير..بدأت وقتها في القراءة عن منهجيات التعلم، ولماذا وكيف بدأت المدرسة، والقراءة في تجارب المتعلمين منزليًا..ولهذا سلسلة مقالات مستقلة ..

يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو، أتحدث فيه عن لماذا نشأت المدرسة،ورغم أن المحاضرة قديمة إلا أن كثير أفكارها مازالت صالحة